الشيخ عبد الغني النابلسي

81

كتاب الوجود

قال التفتازاني في شرح المقاصد أيضا : إشارة إلى جواب القائلين بوقوع العلم بحقيقته تحقيقا بأنا نحكم بالصفات من التنزيهات والأفعال ، والحكم على الشئ يستدعى تصوره من حيث أخذ محكوما عليه ، فإذا كان الحكم على الحقيقة لزم العلم بالحقيقة وإلزامها بأن قولكم حقيقته غير معلومة ، اعتراف بكونها معلومة ، وإلا لم يصح الحكم عليها ، وأيضا الحكم عليها بأنها معلومة أو ليست بمعلومة ، وأيّا ما كان يثبت المطلوب ، يعنى يثبت كونها معلومة ضرورة الحكم عليها ، وتقرير الجواب أنها معلومة بحسب هذا المفهوم ، أعنى كونها حقيقة الواجب . هذا من العوارض والوجوه والاعتبارات ، وكذا مفهوم الذات « 1 » ، والماهية والكلام فيما يقصد عليه أنه الحقيقة والذات . انتهى كلامه . ولا شك أن ما يصدق عليه أنه الحقيقة والذات أمر مغيب عن العقول ، وليس عند العقول منه غير هذا المفهوم المذكور . ولا يلزم من كون العلم بالمفهوم المذكور علما بحقيقة الواجب من حيث كونها مفهومة أن يكون ذلك علما بما يصدق عليه أنه حقيقة الواجب ، وإنما هو علم بالصورة العقلية الخيالية ، ولا شك أن علمنا مخلوق ، واللّه تعالى قديم « 2 » .

--> ( 1 ) قال في المعجم الصوفي ( 89 ) : مطلق الذات هو الأمر الذي تستند إليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها ، فكل اسم أو صفة استند إلى شيء فذلك الشيء هو الذات ؛ سواء كان معدوما : كالعنقاء ، أو موجودا ، والموجود نوعان : نوع موجود محض ؛ وهو ذات الباري سبحانه ، ونوع موجود ملحق بالعدم ؛ وهو ذات المخلوقات ، وذات اللّه سبحانه عبارة عن نفسه التي هو بها موجود ؛ لأنه قائم بنفسه ، وهو الشيء الذي استحق الأسماء والصفات بهويته ، وذات اللّه تعالى غيب الأحدية ، لا تدرى بمفهوم عبارة ، ولا تفهم بمعلوم إشارة ، وليس لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مناف ولا مضاد . ( 2 ) كان ابن حنبل يؤمن بأن اللّه تعالى قديم ، وكذلك صفاته ومنها صفة الكلام . والشافعي يرى أن الصفات ليست مغايرة للذات ؛ لما روى عنه في فتواه أنه قال : من حلف بعلم اللّه ، أو بقدرة اللّه ، أو بحق اللّه ، إن أراد بعلم اللّه معلومة ، وبقدرة اللّه مقدورة ، وبحق اللّه ما وجب على العباد ، فهذا لا يوجب الكفارة ؛ لأن هذا حلف بغير اللّه تعالى ، وإن أراد به الحلف بصفات اللّه ، فهذا يوجب الكفارة .